محمد بن أحمد النهرواني

287

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

وينعم عليهما ، فأرسل السلطان سليم لهما بالأمان وعهد لهما بما يطيب خاطرهما ، وأن يوليهما مملكة مصر والشام فقبلا ذلك منه ووافقاه على ذلك بعد القتال ، فلما تلاقا العسكران واضطرمت نيران البنادق في مرج دابق فر خير بك بمن معه من الميمنة ، وفر الغزالي ومن معه من الميسرة ، وبقي السلطان الغورى بمن معه من خواصه وجلسائه في القلب ، وأطلقت البنادق والضريزن ، فهلك من هلك ، وهرب من هرب ، لا يدرى إيه سلك ، وانقلب النهار ليلا مظلما بالدخان وامتلأ وجه الأرض بشعل النفط والنيران وغار الغورى تحت سنابك الخيل . ومحى نور العدل ظلام الظلم ، كما يمحى النهار الليل ، وذهبت قتلاهم الوحوش والطير كأن لم يكونوا شيئا مذكورا ، وأقبلت رايات السلطان سليم على قلعة حلبة الشهباء ، وقد احمرت من إسالة الدماء ؛ فطلب أهلها منه الأمان فأجابهم إلى القبول لطفا وكرما فخرجوا إلى لقائه بالمصاحف والأعلام ، وهم يحمدون بالتسبيح والتكبير ، ويقرأون : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » . فقابلهم بالإجلال والإكرام ، وأفرغ على أهلهم خلع اللطف والأنعام ، وتصدق بأنواع الصدقات الجلية على الخاص والعام ، وحضر صلاة الجمعة ، وخطب الخطيب باسمه الشريف ودعا له ولآبائه وأسلافه ، وبالغ في المدح والتعريف . ومما قيل : وما زاده للألقاب فخرا وسؤددا بإطناب ذي مدح وإكثار مادح ، وعندما سمع السلطان سليم الخطيب يقول في تعريفه خادم الحرمين الشريفين ، سجد شكرا للّه ثم قال : الحمد للّه الذي يسر لي أن صرت خادم الحرمين الشريفين ، وأضمر خيرا جميلا وإحسانا جزيلا لأهل الحرمين الشريفين ، وخلع على الخطيب خلعا متعددة وهو على المنبر ، فأحسن إليه إحسانا كثيرا بعد ذلك .

--> ( 1 ) الآية رقم 17 من سورة الأنفال ، مدنية .